السكتة الدماغية
عموميات:
يمثل الدماغ أقل من 2% [137] من وزن جسم الإنسان. ومع ذلك، فإنه يتلقى وحده أكثر من 16% [5] من إجمالي الإمداد الدموي للجسم. الدماغ عضو ذو نشاط أيضي (Metabolic) مرتفع للغاية، حيث يتطلب أكثر من 20% [138] من الإمداد الطاقي للجسم بأكمله.
لا يمتلك الدماغ إلا احتياطيات ضئيلة جداً من الطاقة (الأكسجين والغلوكوز) [109]. ما يزيد الأمر سوءاً هو أن العصبونات تموت في غضون بضع دقائق في حالة انقطاع الإمداد الطاقي [105]. وإذا ماتت العصبونة، فإن فرص تعويضها تكون ضئيلة جداً. لهذا السبب، فإن الحفاظ على الإمداد الوعائي الدماغي يكتسي أهمية قصوى.
تُعرف السكتة الدماغية (Stroke) [4، 178] (أو الحادث الوعائي الدماغي) بأنها انقطاع مفاجئ لتدفق الدم في منطقة من الدماغ، ينتج عنه ظهور اضطرابات عصبية [179].
وفقاً لطبيعتها، نميز بين نوعين من الحوادث الوعائية: السكتة الدماغية الإقفارية (Ischemic Stroke) (80% من إجمالي الحالات)، الناتجة عن انسداد وعاء دموي، والسكتة الدماغية النزفية (Hemorrhagic Stroke) (20% من الحالات) التي تسبب نزيفاً داخل الدماغ [180].
السكتة الدماغية الإقفارية:
الأسباب:
تنتج السكتة الدماغية الإقفارية [69] عن انسداد شريان يغذي الدماغ (الشريان المخي، الشريان السباتي الباطن، أو النظام الفقري القاعدي). ويؤدي ذلك إلى حدوث احتشاء دماغي (Cerebral Infarction) (أو تليّن دماغي [181]).
يمكن أن يكون لهذا الانسداد عدة أسباب:
- عصيدة شريانية (Atheroma) مسدودة،
- انحشار جلطة (Clot) تشكلت محلياً أو ذات منشأ قلبي،
- تمزق في جدار الشريان (سلخ) Dissection،
- انضغاط بسبب ورم...
من الناحية السريرية:
يصيب العجز الناتج قطاعا دماغياً محدداً بدقة: ويقال عنه إنه ممنطق (Systématisé) أو موافق للتوزع الوعائي. وتعتمد المظاهر السريرية [69] على القطاع المصاب.
فمثلاً، إذا أصيب الشريان المخي الخلفي الأيسر، فسوف يصاب المريض بعَمى شقي متماثل أيمن (Right Homonymous Hemianopsia). أما إذا أصيب الشريان المخي المتوسط الأيسر، فسيصاب المريض بعجز حسي حركي في نصف الجسم الأيمن، يصاحبه في الغالب حبسة كلامية (Aphasia).
يمكن أن يكون الحادث الإقفاري عابراً (TIA) Transient Ischemic Attack [31] مع عودة سريعة للحالة الطبيعية دون عاهات مستديمة. كما يمكن أن يكون العجز دائماً، وهي حالة السكتة الدماغية الإقفارية المكتملة (CIS) Completed Ischemic Stroke [184].
الفسيولوجيا المرضية:
يؤدي الانقطاع الشديد والمطول لتدفق الدم الدماغي، حتى في منطقة صغيرة من الدماغ، إلى نقص تأكسج الأنسجة (Tissue Hypoxia) مما يؤدي إلى[183، 185]:
- تغيرات أيضيةMetabolic changes (تحلل السكر اللاهوائي، وتكون حمض اللاكتيك)،
- التحرير المفرط للغلوتامات (Glutamate)، وهو ناقل عصبي يكون ساماً جداً للخلايا العصبية عند وجوده بتركيزات عالية [41]،
- خلل في عمل مضخات الصوديوم والبوتاسيوم (Na+/K+ Pump) [86] مما يؤدي إلى دخول الكالسيوم (Ca++) إلى داخل الخلايا [183] ...
يؤدي مجموع هذه الاضطرابات إلى سلسلة من التنشيطات الإنزيمية وتراكم المستقلبات الحمضية والجذور الحرة (Free Radicals) السامة للخلايا [69]، مما يؤدي إلى آفات خلوية دائمة. لهذا السبب يمكن أن تكون الأعراض الأولية للسكتة الدماغية طفيفة في البداية، ولكن إذا لم يتم التكفل بها مبكراً، فإن الحالة السريرية قد تتفاقم.
تتضاعف الاختلالات الغشائية واضطرابات النفاذية الشعيرية بحدوث وذمة دماغية (Cerebral Edema) تُلاحظ على مستوى المنطقة الإقفارية Ischemic Zone .
وبالإضافة إلى التأثير المباشر لنقص التروية الدماغية على المنطقة الإقفارية، فإن هذه المضاعفات الأيضية ستمتد إلى المنطقة المجاورة التي تسمى منطقة الظليل Penumbra Zone [183].
ويمكن أن يتعقد التلين الدماغي ذو المنشأ الإقفاري ثانوياً بحدوث نزيف على مستوى الآفة: وعندها نتحدث عن تلين نزفي Hemorrhagic Transformation [182].
السكتة الدماغية النزفية:
تحدث السكتة الدماغية النزفية [69] بسبب تمزق وعاء دموي يكون غالباً متضرراً قبل ذلك (تشوه شرياني وريديArteriovenous Malformation أو أم الدمAneurysm [38]) ومعرضاً لضغط دم مفرط. يعد التبغ والكحول من أكثر العوامل التي تضعف الأوعية الدموية.
أثناء السكتة الدماغية النزفية، يتشكل ورم دموي (Hematoma) بسرعة، مما يسبب علامات عصبية بؤرية تظهر بشكل فجائي وتتعلق بالبنى الدماغية المخربة أو المضغوطة.
تؤدي الوذمةEdema التي تتشكل حول الورم الدموي إلى تفاقم انضغاط الدماغ داخل العلبة القحفية، وتؤدي إلى أو تزيد من ارتفاع الضغط داخل القحف (IH) Intracranial Hypertension. وبما أن العلبة القحفية غير قابلة للتمدد، فإن البنى العصبية الواقعة تحت الضغط قد تنحشر (تندحس) تحت مشط المخ أو عبر الثقبة العظمى (Foramen Magnum)، مما يشكل خطراً وشيكاً على الحياة.
أحياناً أثناء السكتة الدماغية النزفية، يحدث تحرر هائل لأيونات الكالسيوم، مما يؤدي إلى تشنج وعائي (Vasospasm) [69] مفاجئ يمكن أن يكون سبباً في حوادث إقفارية أخرى.